أحلام صغيرة
سياسية ليس لها اى انتماء
حروب العرب مع اسرائيل

 

 

 

 

Image Hosted by ImageShack.us

 
 
 

حرب عام 1948

 

بناء على ما تقدم من شرح حول تطور الهجرة الصهيونية إلى فلسطين وأداء القيادات الفلسطينية نحو السيطرة على الأوضاع وتحقيق استقلال فلسطين، فإن تمكن الحركة الصهيونية بمساعدة حليفتها بريطانيا بات واضحا منذ عام 1937 وأن اغتصابها للبلاد لم يكن سوى مجرد وقت. فقد الفلسطينيون من خلاله السيطرة على الأمور وأثبتت القيادة الفلسطينية عجزها عن الأخذ بزمام المبادرة مما شجع بريطانيا على طرح مشروع التقسيم لعام 1937. وتم رفض هذا المشروع من قبل الحركة الصهيونية لأنها أرادت دولة أكثر اتساعا من الناحية الجغرافية مما خصص لها، ورفضه الفلسطينيون لأن قبوله باعتبار تنازلاً منهم عن الأرض والوطن.

 

انشغلت بريطانيا في الحرب العالمية الثانية التي نشبت عام 1939، وكثف اليهود من جهودهم لترسيخ أقدامهم في البلاد، أما الفلسطينيون فقد انشغلوا كثيرا في صراعاتهم الداخلية ولم يعدوا العدة للمستقبل. حتى أنه لم تكن للفلسطينيين قيادة تجمعهم تحت مظلة واحدة.

 

برزت قضية فلسطين على جدول أعمال الدول العربية خلال السنة الأخيرة للحرب العالمية الثانية، وبالتحديد أثناء التحضير لإقامة جامعة الدول العربية.

فقد اتفق القادة العرب الذين اجتمعوا في الإسكندرية أواخر عام 1944 على أن فلسطين ركن أساسي من أركان البلاد العربية،

وأكد ميثاق الجامعة العربية، في ملحق خاص، على استقلال فلسطين كبلد عربي.

وفي عام 1946 اتفق القادة العرب الذين اجتمعوا في أنشاص بالقرب من القاهرة على أن قضية فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم وإنما قضية العرب جميعا، ومسؤولية المحافظة على عروبتها تقع على عاتق العرب.

 

وحتى يكون بمقدور القادة العرب التنسيق مع الفلسطينيين قرروا إنشاء قيادة لهم باسم الهيئة العربية العليا. واتخذ مجلس الجامعة العربية هذا القرار في جلسته المنعقدة في بلودان في الفترة مابين 8-12 / حزيران / 1946.

 

حذر قادة العرب بمن فيهم الفلسطينيون من تقسيم فلسطين والتآمر على عروبتها، ودعوا إلى حشد الطاقات واتخاذ التدابير التي تضمن إبقاء البلاد عربية. لكن الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا لم تأبه بتحذيرات العرب وتهديداتهم.

توجهت بريطانيا إلى الأمم المتحدة لتحمل مسئوليتها بحجة أنها (أي بريطانيا) أصبحت غير قادرة على الاستمرار في القيام بدورها كدولة منتدبة خاصة أن اليهود أعلنوا " حرب التحرير الشعبية" ضدها بهدف " تحقيق الاستقلال" . اتخذت الأمم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين في 29/تشرين ثاني/1947 وذلك بدعم وتأييد كبير من الولايات المتحدة الأمريكية.

 

لم يتلكأ العرب في الرد على قرار التقسيم إذ اجتمعت اللجنة السياسية للجامعة العربية في القاهرة في الفترة ما بين 12-18/كانون أول /1947 وأعلنت القرارات التالية:

 

1- وقوف الحكومات العربية وشعوبها مع أهل فلسطين حتى تحقيق استقلالهم

2- رفض مشروع التقسيم  

3- خوض المعركة وذلك من أجل منع التقسيم

4- التأكيد على مبادئ الأمم المتحدة وانعكاساتها على الأرض المقدسة التي من المفروض أن تسودها العدالة والمساواة بين جميع الناس .  

تمشيا مع هذه القرارات قررت الدول العربية حشد جيوشها من أجل دخول فلسطين وتحقيق استقلالها في 15/أيار/1948، وهو ذات اليوم الذي يخرج فيه آخر جندي بريطاني من فلسطين.

بدأ جيش الجهاد المقدس الذي أنشأته الهيئة العربية العليا بمساعدة الدول العربية بالاستعداد للحرب، وأخذت الدول العربية بحشد جيوشها. فحشدت الأردن ومصر والعراق وسوريا ولبنان والسعودية جيوشها بالإضافة إلى جيش الإنقاذ الذي تألف من متطوعين عرب بقيادة فوزي القاوقجي. ووضعت هذه الجيوش جميعها تحت قيادة الملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن آنذاك.

 

الوضع العسكري قبيل الحرب

       لم يكن الوضع العسكري قبل الحرب مطمئنا للعرب حيث أن استعدادهم للحرب كان ضئيلا بالنسبة لاستعداد اليهود الصهاينة.

وقد بدأ الصهاينة استعدادهم العسكري لبناء الدولة ودحر أي اعتداء عليهم منذ بدءوا الهجرة إلى فلسطين، وكثفوا هذا الاستعداد مع بداية الانتداب البريطاني الذي قدم لهم الحماية والتسهيلات والدعم على مختلف أشكاله.

أما العرب فكانت همومهم بعيدة عن مسألة الاستعداد لمواجهة الصهاينة ولم يكن قد تبلور لديهم في ذلك الوقت شعور بالأمن القومي أو بالدفاع ضد العدوان الخارجي.

 

       هذا وقد اختلفت ملامح المرحلة التاريخية لدى الصهاينة عنها لدى العرب. فاليهود كانوا قد دخلوا عصر الثورة الصناعية وما تبعها من تطور تقني وعلمي واقتصادي، وعايشوا مرحلة الاستعمار الأوروبي والبعث القومي والتنافس بين الشعوب والأقوام.

أما العرب فكانت المرحلة بالنسبة لهم مرحلة البحث عن الذات وعن موقعهم في الصراع بين الأقوام الأخرى. فضلا عن أنها كانت مرحلة تخّلف مقيت على مختلف الأصعدة، وكانت الفجوة الحضارية بينهم وبين الصهاينة واسعة جدا. ففي الوقت الذي كان يعمل فيه الصهاينة على إنشاء المراكز العلمية والزراعية في فلسطين لم يكن يعرف الفلسطيني بالتحديد الوقت المناسب لحرث الأرض.

 

       فضلا عن أن الاستعمار الغربي قدم كل الدعم الممكن لليهود وحجبه عن العرب، بل عمل على تسيير العرب بالطريقة التي رآها مناسبة لتحقيق أهدافه بما فيها تحويل فلسطين إلى وطن قومي يهودي. وقد عمل على خلق تركيبة سياسية في الدول العربية لا تقوى على الأخذ بزمام المبادرة أو على اتخاذ القرار المستقل، وبقيت هذه التركيبة عرضة للتأثر المباشر بما تريده الدول الغربية الاستعمارية.

       ولهذا كان الميزان العسكري مختلا بصورة كبيرة لصالح اليهود الصهاينة. في الوقت الذي صدر فيه قرار التقسيم كان لدى اليهود في فلسطين حوالي 60,000 مقاتل

بينما توزعت القوات العربية التي شاركت في بداية الحرب عام 1948 كالتالي:  

1- قوات الجهاد المقدس الفلسطيني حوالي 8,000 مقاتل

2- القوات المصرية حوالي 5,000 مقاتل

3- القوات الأردنية حوالي 4,500 مقاتل

4- القوات العراقية حوالي 3,000 مقاتل

5- القوات السورية حوالي 2.000 مقاتل

6- القوات اللبنانية حوالي 1,000 مقاتل

7- قوات جيش الإنقاذ حوالي 3,000 مقاتل

8- القوات السعودية كانت هامشية.

 

أي بلغ مجموع القوات العربية بما فيها قوات الجهاد المقدس حوالي 27,000 مقاتل. هذا فضلا عن أن مستوى تسليح الجيش اليهودي كان أفضل بكثير من مستوى التسليح العربي، كما أن الجيش اليهودي كان مدربا ومنظما بينما كان التدريب العربي ضعيفا والتنظيم قريبا من الفوضى. أما مستوى التنسيق بين القوات العربية فكان بدائيا على الرغم من وجود قيادة واحدة لها.

للتمكن من سير الأمور العسكرية على ما يرام عملت قيادة الجيش اليهودي على تخفيف الضغط البشري الفلسطيني عليها قبل الحرب وذلك من خلال عدد من المجازر والانتهاكات أللإنسانية لإرغام الفلسطينيين على الخروج هربا من قراهم ومدنهم. كما عمد اليهود القتل للمدنيين الفلسطينيين في دير ياسين وحيفا وقرى الجليل ويافا مما أحدث ذعراً لدى الناس دعاهم للنجاة بأنفسهم في مناطق أكثر أمنا مما حسن من الوضع القتالي لليهود.

مجريات الحرب

       دخلت الجيوش العربية فلسطين في منتصف ليلة 15/أيار/1948 من عدة نقاط وذلك بهدف ضرب القوات الصهيونية والمحافظة على عروبة فلسطين وتحقيق استقلالها. وكان هجومها مركزا على عدة محاور:

 

أ- الجبهة الشمالية: تقدمت القوات اللبنانية نحو قريتي المالكية وقَدَس وسيطرت عليهما ففتحت الطريق نحو وادي الأردن باتجاه بحيرة الحولة. وقد ساعدتها في ذلك قوات جيش الإنقاذ بقيادة القاوقجي التي توغلت في منطقة الجليل ما بين صفد وعكا.

  في ذات الوقت تقدمت القوات السورية نحو بلدة سمخ الواقعة جنوب-شرق بحيرة طبريا وسيطرت عليها مما دعا اليهود الصهاينة إلى إخلاء بعض مستوطناتهم القريبة. واستطاعوا صد القوات السورية في هجوم لها على بعض المستوطنات الصهيونية، لكنها استطاعت أن تحتل مستعمرة مشمار هياردن مما سهل من إمكانية الاتصال بالقوات اللبنانية وجيش الإنقاذ.

 

ب- الجبهة الشرقية: تقدمت القوات العراقية أولا نحو جنوب طبرية واحتلت مستعمرة يهودية تدعى غيشر، لكنها لم تستطع البقاء فيها فانسحبت ودخلت فلسطين نحو مدينة نابلس.

تقدم الجيش نحو المناطق التي خصصها قرار التقسيم للعرب حتى وصل إلى بعد عشرة كيلومترات من مستعمرة ناتانيا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في مقابل مدينة طولكرم. واستطاع الجيش طرد الصهاينة من مدينة جنين بعد أن كانوا قد احتلوها.

أما الجيش الأردني فتقدم داخل المناطق المخصصة للعرب حسب قرار التقسيم وأقام في مدينتي اللد والرملة.

أما على صعيد القدس فقد احتل مستعمرة عطاروت الواقعة شمال المدينة، واحتل منطقة المصرارة وحاصر الحي اليهودي حتى استسلم.

حاولت القوات الأردنية محاصرة القدس الجديدة (غربي القدس) والاستيلاء على مستوطنات يهودية في منطقة جبل المشارف إلا أنها فشلت في ذلك.

هذا وقد قامت القوات العراقية في المنطقة بالسيطرة على مستوطنة النبي يعقوب مما أتاح المجال أمام القوات الأردنية بالتحرك نحو مدينة بيت لحم للالتقاء بالقوات المصرية.

 

ج- الجبهة الجنوبية: تقدمت القوات المصرية عبر سيناء نحو النقب واحتلت مستعمرتي نيريم وكفار دروم.

دخلت القوات غزة وتوجهت شمالا نحو المجدل واحتلت في طريقها مستعمرة ياد مردخاي. ثم توجه جزء من القوات نحو أسدود، وجزء آخر نحو بئر السبع فدخلها وتوجه شمالاً ليلتقي مع القوات الأردنية في بيت لحم. وبذلك استطاع الجيش المصري أن يعزل المستوطنات اليهودية جنوبي فلسطين عن المناطق الشمالية.

 

       باختصار استطاعت الجيوش العربية على قلة عدد أفرادها وضعف عدتها وعتادها أن تسيطر على أغلب المساحة التي خصصت للعرب حسب قرار التقسيم وعلى أجزاء من تلك التي خصصت لليهود الصهاينة. هذا وتبين الخارطة رقم ( ؟؟؟؟؟؟) الوضع العسكري الذي تم تحقيقه.

 

الهدنة الأولى

       هبت الدول الغربية لدعم إسرائيل بعد ما رأته من تقهقر عسكري يلحق بقواتها، وتوجهت نحو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

عين المجلس وسيطا دوليا هو الكونت برنادوت للبحث عن حل للأزمة في 20/أيار/1948.

وفي 22/أيار/1948 اتخذ المجلس قراره رقم (50) والقاضي بوقف إطلاق النار في فلسطين. رفض العرب القرار أولا ثم قبلوه بعد ضغوط من قبل بريطانيا والولايات المتحدة.

قبلت الدول العربية القرار في 29/أيار/1948 وأصبح نافذ المفعول في 11/حزيران/1948.

 

       نص قرار مجلس الأمن أيضا على ضرورة المحافظة على الوضع العسكري القائم سواء على الأرض أو على مستوى التسليح. أي أنه حّرم على الطرفين تحسين وضعيهما العسكري سواء من ناحية التقدم العسكري على الأرض أو تحسين مستوى التسليح أو تعزيز القوات المتواجدة في الميدان.

 

       التزم العرب بنصوص قرار مجلس الأمن، علما أن سبلهم نحو التزود بالمزيد من الأسلحة لم تكن مفتوحة.

أما الدول التي أصدرت قرار مجلس الأمن فقد فتحت مخازنها أمام إسرائيل أو طلبت من دول أخرى أن تزود إسرائيل بالسلاح.

أتى متطوعون إلى إسرائيل خاصة من الطيارين، وزودت إسرائيل بطائرات من بريطانيا وتشيكوسلوفاكيا والولايات المتحدة، وحصلت على مدافع ودبابات من تشيكوسلوفاكيا.

 

       تأهلت إسرائيل للانتقال إلى الهجوم وخرقت قرار مجلس الأمن واحتلت بعض المواقع قبل موعد انتهاء الهدنة في 8/تموز/1948، وسيطرت على بعض القرى العربية وطردت سكانها.

 

مرحلة التراجع العربي

       بدأ القتال للمرة الثانية في 9/تموز/1948 حيث أخذت تميل الكفة لصالح إسرائيل. حاولت إسرائيل دحر القوات العربية على مختلف الجبهات فنجحت في بعض المواقع وفشلت في أخرى.

فمثلا فشلت في دحر القوات العراقية في منطقة جنين، لكنها حققت إنجازا بسيطا في منطقة طولكرم. كذلك نجحت القوات الإسرائيلية في احتلال مدينة اللد ومطارها ومدينة الرملة وتقهقر الجيش الأردني أمامها، لكنها فشلت في الاستيلاء على مدينة القدس داخل الأسوار.

وعلى الجبهة الجنوبية، تم صد العديد من الهجمات الإسرائيلية، لكن القوات الإسرائيلية استطاعت احتلال بعض القرى العربية.

 

الهدنتان الثانية والنهائية

       أصدر مجلس الأمن قرارا بوقف إطلاق النار وأصبح نافذ المفعول في 18/تموز/1948. لكن إسرائيل لم تحترم القرار ولم تضغط عليها دول مجلس الأمن. حتى أن إسرائيل أقدمت على قتل المبعوث الدولي برنادوت في 17/أيلول/1948 لأنه كان يفكر بتقديم مشروع تقسيم جديد للأمم المتحدة. واستمرت إسرائيل بهجومها على القوات العربية فدحرت الجيش المصري وحاصرت جزء من قواته في الفالوجة، وسيطرت على منطقة الجليل بعد دحر القوات اللبنانية والسورية، وسيطرت على منطقة النقب بما فيها ميناء أم الرشراش على خليج العقبة.

 

       انسحبت القوات المصرية من مختلف المناطق وبقيت في منطقة ساحل غزة، وصمتت المدافع على مختلف الجبهات، وأصبحت القوات الإسرائيلية تسيطر على حوالي 77% من مساحة فلسطين.

أصبحت مساحة إسرائيل حوالي 21,000 كيلومتر مربع بعد أن كانت حوالي 14,500 كيلومتر مربع حسب قرار التقسيم، بينما تقلصت المساحة في أيدي العرب من حوالي 12,000 كيلومتر مربع إلى حوالي 6,000 كيلومتر مربع. تشمل هذه المساحة منطقة الوسط الشرقي من مدينة جنين حتى الظاهرية، ومن منطقة ساحل مدينة غزة ومنطقة الحمة على الحدود السورية-الأردنية-الفلسطينية.  

       على إثر الهزيمة التي منيت بها الدول العربية عقدت محادثات بين هذه الدول وإسرائيل من أجل عقد هدنة دائمة وذلك في جزيرة رودس. بدأت المحادثات في 13/كانون أول/1949. وقعت مصر أول اتفاقية مع إسرائيل في 24/شباط/1949 ثم تلتها لبنان فالأردن فسوريا.

 

       هذا وتبين الخارطة رقم (؟؟؟؟؟؟؟) خطوط الهدنة بين الدول العربية وإسرائيل. بينما تبين الخارطة رقم (؟؟؟؟؟؟؟) خطوط التقسيم حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181.

حرب عام 1956  

 

أثارت تطورات الأحداث التي أعقبت الانقلاب العسكري الذي حصل في مصر في 23/تموز/1952 وأطاح بالملك فاروق حفيظة الدول الغربية وبالأخص بريطانيا وفرنسا وسببت قلقا متزايدا لإسرائيل. فقادة الانقلاب وفي مقدمتهم جمال عبد الناصر، الذي استلم مقاليد الرئاسة عام 1953، قد جاءوا بعقلية قومية تتطلع نحو الوحدة العربية وبناء الأمة العربية لتعود لها أمجاد الماضي التليد، فبدءوا بقدر إمكاناتهم وحدود وعيهم السياسي والثقافي ببث الوعي القومي وتحريض العرب على العمل معاً من أجل بناء الصرح العربي والدولة العربية التي تقف على قدم المساواة مع الدول الأخرى.

 

من منطلق وعيهم بضرورة الوحدة العربية كان حكام مصر الجدد ضد الاستعمار والدول التي تفرض الهيمنة على بعض البلدان العربية ونهب ثرواتها، وناحية تعمّد الدول الاستعمارية تقسيم البلاد العربية إلى دويلات وأجزاء صغيرة متناثرة ولهذا لعبوا دورا تحريضيا من أجل طرد الدول الاستعمارية خاصة فرنسا وبريطانيا مما دعا هذه الدول إلى اتخاذ مواقف غير ودية اتجاه مصر. فضلا عن أن مصر آوت الثورة الجزائرية وقدمت لها الدعم وطلبت من العرب شعوباً وحكومات دعم الثورة الجزائرية مما أثار فرنسا وأثر على سياستها نحو تسليح إسرائيل.

 

تبنت فرنسا مسألة تحديث الجيش الإسرائيلي وزودته بأغلب الأسلحة التي كان بحاجة إليها.

هذا وقد تحركت مصر نحو اتخاذ سياسات جديدة مما زاد من الشكوك الغربية حول نية القيادة المصرية. فمن ناحية وقفت مصر ضد حلف بغداد الذي ضم العراق وتركيا وكان من المخطط له أن يضم إيران وباكستان والأردن فضلا عن الدول الغربية الداعمة، ومن ناحية أخرى توجهت نحو معسكر الاتحاد السوفيتي وبالتحديد نحو تشيكوسلوفاكيا لشراء السلاح،

فقد رأت القيادة المصرية أن الأحلاف العسكرية تضعف العرب وتجعلهم تحت هيمنة الدول الغربية وبالتالي اعتبرتها معادية للطموحات العربية، وحاولت في نفس الوقت شراء السلاح للوقوف في وجه العدوان خاصة ذلك الذي تمثله إسرائيل وتمارسه، لكن الدول العربية رفضت تزويدها بالأسلحة مما دفع مصر للبحث عن مخارج.

 

نظرت الدول العربية إلى صفقة الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا نظرة عدائية واعتبرتها تحديا لسياستها في تطويق الاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة التي كانت على أشدها. ولهذا ألغت الولايات المتحدة تمويلا لبناء السد في أسوان الذي عرف بالسد العالي.

 

صعدت مصر إجراءاتها نحو استقلاليتها في اتخاذ القرار عندما أعلن الرئيس عبد الناصر تأميمه لقناة السويس في 26/تموز/1956. أي أنه وضع القناة تحت السيادة المصرية وألغى الامتياز البريطاني والفرنسي والهيمنة العسكرية على القناة.

لقد كانت تلك الخطوة بمثابة الصاعقة على بريطانيا وفرنسا، وأدركت القيادة المصرية خطورة قرارها وما سيترتب عليه.

وجهت الجهود الدبلوماسية نحو مصر للتراجع عن قرارها إلا أنها أصرت على موقفها.

 

التحضيرات للعدوان:

 

       اتفقت بريطانيا وفرنسا على ضرورة فرض سيطرتها على القناة لأهميتها الاقتصادية والعسكرية واتجه تفكيرهما نحو القيام بحملة عسكرية ضد مصر وذلك بالتعاون مع إسرائيل التي كان لها مصلحة في ذلك.

كانت إسرائيل معنية بشن حرب على مصر للأسباب التالية:

أولا: توجيه ضربة وقائية تقضي على القوة العسكرية المصرية والتي كانت تشكل القوة العربية الرئيسية. فنظرية الأمن الإسرائيلية تقوم أساسا على التفوق العسكري والقضاء على قوة العدو قبل أن تشكل تهديدا جديا لها،

لقد اشترت مصر الدبابات والمدافع والزوارق والطائرات، وأصبح لديها قوة لا يستهان بها.  

ثانيا: فتح خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية. سيطرت مصر على مدخل خليج العقبة المعروف بمضيق تيران وعلى الجزيرتين الواقعتين عليه وهما تيران ومناقير وأغلقته في وجه الملاحة الإسرائيلية. فكانت إسرائيل بحاجة إلى فتح المضيق لأسباب اقتصادية تتعلق بالتجارة، وفكرت أكثر من مرة بالقيام بعملية عسكرية محدودة للاستيلاء على شرم الشيخ في سيناء والسيطرة على المضيق.  

ثالثا: القضاء على الهجمات الفدائية التي كانت تنطلق من منطقة غزة ضد الأهداف الإسرائيلية.

اعتادت إسرائيل القيام بغزوات مفاجئة ضد المناطق العربية في ساحل غزة الذي عرف بقطاع غزة وفي الوسط الشرقي من فلسطين والذي عرف بالضفة الغربية، وكان الرد ضدها من خلال العمل الفدائي الذي هاجم مواقعها العسكرية ومستوطناتها ومن حيث أن إسرائيل حساسة للمسألة الأمنية فهي لا تستطيع تحمل هجمات مباشرة ضدها، ولا تقبل أن تقوم معركة على أرض تحت نفوذها. ولهذا كان من مصلحتها شن حرب ضد مصر تكسر شوكتها وتجبرها على منع العمل الفدائي.  

رابعا: القضاء على القيادة المصرية إن أمكن. على الرغم من اهتمام إسرائيل كان منصبا على تحقيق إنجاز عسكري ومصلحة اقتصادية وأمنية، إلا أنها كانت تفضل أيضا القضاء على القيادة المصرية التي خلقت جوا من التشويش والتحريض ضد إسرائيل وحلفائها الغربيين فأملت أن يؤدي إنجازها العسكري إلى سقوط العسكري عبد الناصر وحكومته.  

       التقت مصلحة إسرائيل مع فرنسا وبريطانيا اللتين كانتا معنيتين أيضا بإسقاط القيادة المصرية وتنصيب قيادة جديدة يمكن التفاهم معها والمحافظة على المصالح الغربية من خلالها.

 

       اتفقت الدول الثلاث على القيام بحملة عسكرية أصبحت تعرف بالعدوان الثلاثي وذلك في 29/تشرين أول/1956 حسب الترتيب التالي:

 

1-           تقوم إسرائيل بالهجوم على شبه جزيرة سيناء براً عبر خطوط وقف إطلاق النار وبإنزال جوي عبر ممر متلا الإستراتيجي. يدفع هذا الهجوم القيادة المصرية إلى إرسال قواتها إلى سيناء لصد الهجوم.

 

2-           تقوم بريطانيا وفرنسا بالهجوم على منطقة قناة السويس من بور سعيد بداية ثم إلى السويس والإسماعيلية وذلك من البحر الأبيض المتوسط حيث تحتشد القوات قبالة الساحل المصري.

 

 

3-           تقوم القوات المشتركة بالقضاء على الجيش المصري الذي يصبح محاصرا في سيناء.

 

4-           تقوم قوات بريطانيا وفرنسا بالالتفاف على القاهرة من الجنوب وتسقط القيادة المصرية.

 

 

5-           تبقى الخطة سرية ويبقى تدخل بريطانيا وفرنسا تحت ذريعة حماية قناة السويس حتى لا تحدث إثارة عالمية أو غضب عربي على الدولتين وبالأخص على بريطانيا التي كانت تعتبر صديقة لعدد من الدول العربية.

 

في مقابل هذا الترتيب كان هناك ترتيب مصري إذ كانت القيادة على يقين بأن بريطانيا وفرنسا ستهاجمان مصر على جبهة قناة السويس وأعدت الخطة التالية لمواجهة الموقف:

 

1- إرسال جزء من الجيش المصري لمواجهة العدوان الإسرائيلي في سيناء

2- توظيف جزء آخر من الجيش في منطقة القناة لمواجهة الهجوم البريطاني الفرنسي.

3- الإبقاء على جزء آخر تحت تصرف القيادة لنقله إلى مناطق حشودات عسكرية غير متوقعة

4- تجنيد المتطوعين ضمن جهود الدفاع الشعبي  

العدوان

       قامت إسرائيل بهجومها حسب الترتيب المعد مسبقا فأنزلت قواتها المحمولة في ممر متلا واجتازت خط الهدنة إلى سيناء.

تصدت القوات المصرية للمهاجمين وعبر القناة ألوية مصرية إضافية للتعامل مع القوات الغازية. واضطرت القوات الإسرائيلية إلى خوض قتال كانت تريد أن تتجنبه لغاية إنزال القوات البريطانية –الفرنسية. لكن تأخر الإنزال فرض على الإسرائيليين القتال الذي أوقع الخسائر بين الطرفين.

 

       لم تقم فرنسا وبريطانيا بضرب مصر إلا في 31/تشرين أول/1956 أي متأخرة حوالي يوم عن الموعد المقرر. عندها أمر الرئيس المصري بتركيز القوة المصرية على القناة لأنها هي المحور الرئيسي للقتال. وبذلك فقد المعتدون أول رهان لهم وهو تدمير الجيش المصري بالحصار.

 

       اضطر العرب المصريون إلى تركيز قواتهم في منطقة القناة الغربية خاصة بسبب عدم قدرتهم على تفتيت جيشهم على جبهات متعددة في مواجهة قوات تفوقهم عددا وعدة ففي القوات البرية والمدافع والدبابات كانت النسبة بين قوات المعتدين وقوات مصر 3 : 1 وكان الأعداء متفوقين بصورة كبيرة في القوات البحرية أو بصورة كبيرة جداً في القوات الجوية. ولهذا كان لابد من تركيز القوات المصرية في المنطقة التي يمكن أن يشكل سقوطها خطرا كبيرا على مصر.

 

       احتدم العدوان على مصر على مدخل قناة السويس وفي سيناء وفي منطقة غزة قذفت الطائرات قنابلها ودكت المدافع المواقع العسكرية والمدنية وقصفت القوات المصرية من البحر والبر والجو.

استطاعت إسرائيل أن تلتف إلى شرم الشيخ وتحتله، وأن تلتف على ساحل غزة وتعزله أما القوات الفرنسية والبريطانية فلاقت مقاومة مصرية عتيدة ومستميتة وعلى الرغم من شدة الحمم وهول القوة المحتشدة لم يستطع الفرنسيون والبريطانيون احتلال منطقة بور سعيد وبور فؤاد على مدخل القناة أما محاولتهم لتوسيع رأس الجسر فلاقت مقاومة مصرية عنيفة منعتهم من الوصول إلى الإسماعيلية.

       تكرر الهجوم الفرنسي-البريطاني على محور القناة لكنه أجهض مرارا واستطاع الجيش المصري مع القوات الشعبية أن يقفوا سدا منيعا في وجه تقدمه. حتى أن رأس الجسر لم يسلم من الهجمات الفدائية السريعة التي قام بها المصريون.

 

الدور العربي في القتال

       وقعت دول جامعة الدول العربية اتفاقية دفاع مشترك فيما بينهما بحيث تقوم دول الجامعة بالدفاع عن أي دولة عربية عضو في الجامعة العربية ضد أي عدوان أو غزو. وكذلك تم توقيع اتفاقات دفاع مشترك ثنائية وثلاثية بين الدول العربية، فمثلا كانت هناك اتفاقية دفاع مشترك بين سوريا ومصر، وأخرى بين مصر والسعودية واليمن، واتفاقية بين مصر والأردن.

 

       إلا أن الدور العربي اقتصر على بيانات التأييد لمصر والتنديد بالعدوان وإبداء الاستعداد لتقديم الدعم لمصر وبث الأناشيد والخطابات عبر الإذاعات.

 

انتهاء الحرب

       لم يكن العدوان على مصر مقبولا من قبل الدولتين الأعظم عندئذ : الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي.

فقد تحركت كل من الدولتين على انفراد نحو إدانة العدوان والتحذير من استمراره.

صدر في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي إنذارا منفرد للدول المعتدية دعتا فيه إلى وقف العدوان والانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها.

وصدر بعد ذلك قرار عن مجلس الأمن بوقف القتال.

توقف القتال صباح يوم 7/تشرين ثاني/1956 وبدأت معها جهود تسوية الأزمة.

       تقرر انسحاب بريطانيا وفرنسا من رأس الجسر الذي أقيم في بور سعيد وانسحاب إسرائيل من سيناء.

انسحبت بريطانيا وفرنسا في 22/كانون الأول/1956 وإسرائيل في 6/آذار/1957.

نتائج الحرب

أولا: فشلت كل من بريطانيا وفرنسا في تحقيق أي هدف فلا سيطرت الدولتان على القناة ولا القيادة المصرية سقطت. بل أنهما وجدا نفسيهما في وضع حرج أمام شعبيهما وأمام العالم.

 

ثانيا: فشلت إسرائيل في بعض أهدافها لكنها حققت ما يلي:

 

1- فتح خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية

2- السيطرة على منطقة العوجا على الحدود مع سيناء التي كانت منطقة منزوعة السلاح منذ عام 1948

ثالثا: انتشرت قوات الطوارئ الدولية على الجانب المصري من خطوط وقف إطلاق النار وفي منطقتي شرم الشيخ وغزة.

رفضت إسرائيل أن ترابط هذه القوات على الأرض التي تحتلها وفي المقابل بقي بقاء القوات رهنا بموافقة الحكومة المصرية التي لها الحق بالتوجه إلى أمين عام الأمم المتحدة لسحبها.

رابعا: أصبحت قناة السويس تحت السيطرة والسيادة المصرية

خامسا: أغلقت قناة السويس في وجه الملاحة الإسرائيلية بعد أن كانت مفتوحة قبل الحرب

سادسا: ارتفعت معنويات العرب قيادة وجماهير، وأصبحت القيادة المصرية ذات شعبية واسعة.

 

حرب عام 1967  

لم تكن حرب عام 1956 شافية بالنسبة لإسرائيل إذ لم تحقق إلا شيئا قليلا من أهدافها حُصر إجمالا في فتح خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية.

فقد اهتمت إسرائيل بالأساس إلى إزالة التهديد العسكري العربي لها والاطمئنان إلى عدم وجود قوة عربية يمكن أن تشكل تهديدا مستقبلياً عليها. لكن هذا لم يتحقق بل أن قوة الدول العربية العسكرية خاصة القوة المصرية أخذت بالتصاعد مع مرور الأيام بفعل التسهيلات السوفييتية واهتمام الاتحاد السوفييتي في استمالة العرب أو بعضهم إلى جانبه في الحرب الباردة.

تمكنت إسرائيل أن تضمن هدوءاً أمنيا في منطقة غزة بعد حرب عام 1956 وضمنت هدوءاً على طول خط الهدنة مع مصر.

توقفت العمليات الفدائية، وشدد الجيش المصري الرقابة على خطوط وقف إطلاق النار لمنع المتسللين من مهاجمة إسرائيل. لكن القيادة المصرية، من ناحية ثانية، أخذت تشتري كميات كبيرة من الأسلحة واتخذت خطوات جادة نحو التصنيع العسكري.

شعرت إسرائيل بالقلق واستمرت في التفكير في سبل القضاء على القوة المصرية وعلى أي قوة عربية أخرى يمكن أن تنمو.

 

فضلا عن هذا القلق من تنامي القوة العسكرية العربية، كانت لدى إسرائيل أسباب أخرى للتحضير لحرب جديدة في المنطقة وفيما يلي هذه الأسباب:

 

أولا: التوسع

       لم يكن قادة إسرائيل مقتنعين بأن المساحة التي اغتصبوها عام 1948 كافية لاستيعاب يهود العالم أو غالبيتهم. ولهذا تطلعوا نحو التوسع على كافة الاتجاهات لتوفير مساحات أرض تلبي متطلبات المستقبل. هذا فضلا عن أن التوسع يخدم غرض الوصول إلى خطوط جديدة يسهل الدفاع عنها. فمن وجهة نظر العسكريين كانت هناك صعوبة في ضمان الأمن لإسرائيل خاصة في الاتجاهين الشرقي والشمالي.

فمن ناحيتي الشرق والشمال تتداخل المناطق مع بعضها ولا يوجد فواصل أو موانع جغرافية تعيق حركات الجيوش العربية أو الفدائيين العرب. ولهذا رأت القيادة العسكرية في التوسع وسيلة جديدة للوصول إلى خطوط وقف إطلاق نار جديدة يسهل الدفاع عنها بسبب الموانع الجغرافية ويسهل من خلالها نقل المعارك إلى داخل الأراضي التي يسيطر عليها العرب. فبالنسبة لهم يشكل كل من نهر الأردن ومرتفعات الجولان ومنطقة الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني مناطق دفاعية يجب أن لا تكون تحت السيطرة العسكرية العربية.

 

ثانيا: تحويل مياه نهر الأردن

       عملت إسرائيل على إقامة مشاريع مائية مختلفة لتحقيق أقصى استغلال للمياه المتوفرة وكان من ضمنها مشروع تجفيف بحيرة الحولة الذي تم في الخمسينات ومشروع تحويل مياه نهر الأردن الذي أصبح معروفاً لدى العرب عام 1963.

اجتمعت الدول العربية على هذا المشروع وأطلق الرئيس المصري دعوته لعقد مؤتمر قمة عربي لتدارس الوضع. وبالفعل إلتأم قادة الدول العربية في القاهرة في مؤتمر القمة العربي الأول في كانون ثاني/1964.

 

       قرر القادة العرب تحويل مياه نهر الأردن عبر مرتفعات الجولان لتعبر شرقي الأردن عبر قناة تصب من جديد في مجرى نهر الأردن. ورصدت الأموال اللازمة لذلك. لكن إسرائيل لم تكن لتسلم بالأمر فمن ناحية، عملت على ضرب كل إنجاز عربي يتم على الأرض لتحويل النهر ومن ناحية أخرى، بدأت تفكر في السيطرة على منابع نهر الأردن لتبقى المياه في مأمن من التهديد العربي.

 

ثالثا: ظهور المقاومة الفلسطينية

       ظهرت في الخمسينات بوادر التنظيمات الفلسطينية المسلحة وقامت بعض العمليات العسكرية المحدودة ضد أهداف إسرائيلية. لكن فترة الستينات تميزت بتنظيمات فلسطينية أكثر جدية في تنظيم الفلسطينيين بغرض القيام بحرب عصابات ضد إسرائيل. وقد بات واضحا بالنسبة لإسرائيل تصميم الفلسطينيين على المضي في خطاهم، ولمست هذا الأمر من خلال عمليات عسكرية بدأت تقوم بها حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح. فقد قامت الحركة بأول عملياتها في أواخر كانون أول عام 1964 وأعلنت عن نفسها رسميا في 1/كانون ثاني/1965.

 

       كان الأمر جد خطير بالنسبة لإسرائيل لأنه يضيف عنصرا جديدا إلى معادلة الصراع في المنطقة، ويدخل الفلسطينيين أصحاب الحق المباشر في مواجهة مع إسرائيل مما يهدد أمنها وأمن مستوطناتها. لذلك كان لم يكن من مفر لمواجهته.

 

رابعا: الوضع الأمني على الجبهة السورية

       لم تكن الجبهة السورية هادئة من حيث تبادل إطلاق النار بين القوات السورية والإسرائيلية. استمر الإسرائيليون بقصفهم للمواقع السورية خاصة من الجو، واستمر السوريون بقصف المواقع الإسرائيلية في إصبع الجليل ومحيط بحيرة طبرية بالمدفعية واستمرت المناوشات العسكرية بطريقة لم تعد محتملة بالنسبة للإسرائيليين مما دعاهم للتفكير الجدي بإبعاد القوات السورية عن مرتفعات الجولان التي يسهل وجودهم عليها عملية القصف والتمكن العسكري من التجمعات السكانية اليهودية والقواعد العسكرية.

 

خامسا: عقد اتفاقيات صلح مع الدول العربية

       لم تعترف الدول العربية بإسرائيل ورأت إسرائيل أن هزيمة عسكرية ستقنع العرب بالاعتراف بها والتخلي عن حلمهم بتحرير فلسطين وستنتهي إلى قبول إسرائيل كدولة من دول المنطقة.

 

التمهيد للحرب

قامت إسرائيل بعرض عضلاتها العسكرية والتي كانت بمثابة رسائل واضحة لقادة العرب. فقد قامت بالهجوم على قرية السموع في منطقة الخليل بحجة ملاحقة الفدائيين الفلسطينيين الذين يتسللون إلى داخل فلسطين المحتلة لمهاجمة المواقع الإسرائيلية. دخلت القرية بالدبابات وهدمت عددا من البيوت وقتلت حوالي 200 شخص.

أما على الجبهة المصرية، قامت الطائرات الإسرائيلية بإسقاط طائرتين مصريتين فوق سيناء.

أما على الجبهة السورية فحصلت مواجهة جوية سقطت خلالها ست طائرات سورية. وقد تراوح الرد العربي بين إصدار بيانات عسكرية غير صحيحة وبين الشكوى لمجلس الأمن.

 

       مع تصاعد حدة التوتر على الجبهة السورية ، ومع استمرار العمل في مشروع تحويل نهر الأردن حصلت الحكومة الإسرائيلية من اللجنة الأمنية في الكنيست (مجلس الشعب الإسرائيلي) على موافقة للتصرف عسكريا ضد سوريا وذلك في 9/أيار/1967 وفعلا قامت إسرائيل بحشد قواتها على جبهة الجولان وأخذت تلوح بالحرب.

أثارت الحشود مصر التي كانت على خلاف كبير مع سوريا وأعلنت أنها تلتزم باتفاقيات الدفاع المشترك الموقعة من قبل الدولتين عام 1966. وبناء عليه قررت مصر حشد قواتها قي سيناء واتخاذ التدابير العسكرية المختلفة لمواجهة العدوان.

 

       قام العرب خاصة مصر بتظاهرة عسكرية أمام العالم، وفاض قادة العرب بالتهديدات لإسرائيل، وفاضوا بالوعود للعرب بقرب تحرير فلسطين وعودة الفلسطينيين إلى بيوتهم. حتى أن أحد معلقي الإذاعة المصرية طلب من الأسماك أن تتعمد عدم الأكل انتظارا للوجبة الشهية عندما يلقى اليهود في البحر.

استعرض العرب عضلاتهم واشتغلت أسنتهم بالخطب الرنانة ووظفت الإذاعات لبث أناشيد الحرب والنصر.

 

في ذات الوقت كانت إسرائيل تستعد للحرب بصمت، وأمام العالم كانت تبدوا كالحمل الوديع. فقط استنجدت بالعالم لإنقاذها من تهديدات "المارد" العربي واستغلت تصريحات القادة وتعليقاتهم الإذاعية لاستدرار تعاطف العالم معها. وكلما ظهرت بمظهر الضعيف ضاعف العرب من بهرجتهم الإعلامية.

 

يبدو أن إسرائيل كانت معنية بجر الدول العربية إلى حرب لأنها كانت تدرك تماما الفرق بينها وبين العرب في الاستعداد. فالعرب يملكون قطعاً كثيرة من الأسلحة لكنهم غير مستعدين لمعركة أو لحرب. ولهذا سرعان ما حشدت قواتها على الجبهة المصرية حيث أنها هي الجبهة التي من المتوقع أن تكون ساخنة.

 

هذا وقد أصبح معلوماً بعد الحرب أن إسرائيل خططت للحرب على مدى عدة سنين ووضعت التجهيزات والآليات اللازمة للتنفيذ. فقط كانت تنتظر الوقت المناسب لشن الحرب. وقد كانت سنة 1967 ملائمة جداً من حيث الوضع العربي الذي كان مفتتاً وممزقاً. كانت الدول العربية على عداء أرعن ضد بعضها البعض ، وكانت الإذاعات العربية منشغلة قبل الحرب في السباب والشتائم وكيل الاتهامات ونشر الفضائح. وكانت السعودية ضد مصر، ومصر ضد سوريا، وسوريا ضد الأردن، والأردن ضد مصر، ومصر ضد العراق، والعراق ضد السعودية،…الخ. وكان مظهراً مخزياً في التاريخ العربي.

في ذلك الوقت، كانت تجري حرب في اليمن بين السعودية ومصر حيث كان كل منهما يدعم طرفاً في حرب أهلية مما استنزف طاقات الدولتين.

 

ومن أشد الأمور مرارة وتعبيراً عن الوضع الغربي كان الانقلابي سليم حاطوم الذي قاد محاولة انقلاب عسكري ضد نظام الحكم في سوريا إبان الحرب. فشل الانقلاب ولجأ حاطوم إلى الأردن التي كان من المفروض أنها تخوض حرباً مع سوريا ضد إسرائيل.

 

فضلاً عن أن الوضع العربي كان مثالياً لإلحاق هزيمة بالعرب،

استغلت إسرائيل الوضع الدولي الذي لم يكن آبها بما يجري بالنسبة للعرب وخاصة في العالم الغربي. فالدول الغربية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا عملت على تسليح إسرائيل ودعمها، ولم يكن لدى الولايات المتحدة ما يعترض جهود إسرائيل الحربية. بل أن الولايات المتحدة كانت معنية برؤية جمال عبد الناصر ونظامه مقهوراً.

 

صعد العرب من استعراضهم عندما طلب الرئيس عبد الناصر من أمين عام الأمم المتحدة سحب قوات الطوارئ الدولية التي وضعت في سيناء عقب حرب عام 1956. وهكذا فعل. ثم عمدت مصر إلى إغلاق مضيق تيران أمام الملاحة المتوجهة من وإلى إسرائيل. عندها اعتبرت إسرائيل أن ما تقوم به عمل من أعمال الحرب لا يمكن السكوت عنه.

مع توتر الأوضاع بدأت القوات العربية الراغبة في المساندة في الوصول إلى مصر مثل القوات السودانية والكويتية، وقرر الملك حسين ملك الأردن الالتفاف إلى الخلف والصلح مع عبد الناصر. قام الملك حسين بزيارة مصر وعقد اتفاقية دفاع مشترك معها وقرر أن يلتزم بمحاربة إسرائيل إذا ما نشبت الحرب. وبالمناسبة نتج عن هذه الزيارة صلح بين الملك وأحمد الشقيري رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الذي أستقل طائرة العودة التي حملت الملك إلى عمّان.

أما في إسرائيل، اتخذت إجراءات استعداداً للحرب وتم تعيين عدداً من القادة العسكريين في مواقع حساسة تمهيدا لشن الحرب.

 

الهجوم الإسرائيلي

       بينما كانت الجماهير العربية تنتظر النصر الذي وعدت به بفارغ الصبر، قامت إسرائيل بهجوم خاطف على مصر لم تشهد الحروب الحديثة بسرعته وقدرته على إلحاق الأضرار الفادحة والدمار في الطرف الآخر.

بدأت إسرائيل هجوماً جوياً على القواعد الجوية المصرية في منطقتي الدلتا وسيناء عند الساعة السابعة صباحاً يوم 5/حزيران/1967. توجهت الطائرات الإسرائيلية على علو منخفض غرباً داخل البحر الأبيض المتوسط، حتى إذا قطعت مسافة كافية استدارت شرقاً وهاجمت المطارات من ناحية الغرب.

أسقطت الطائرات قنابلها على الطائرات المصرية هذه مدة ثلاث ساعات قضت خلالها على العمود الفقري للجيش المصري وهو سلاح الطيران، ولم ينج من الطائرات إلا العدد القليل وخاصة تلك الطائرات التي كانت بعيدة عن متناول الطائرات الإسرائيلية.

 

       أشير هنا إلى ملاحظتين وهما أن الطيارين المصريين لم يكن أغلبهم مستعد للقتال صبيحة ذلك اليوم بسبب حفل ليلي ساهر أقيم لهم من قبل قائد الطيران المصري، وأن الإسرائيليين اختاروا الساعة السابعة والنصف صباحاً لكي يبدأ القصف في الفترة الواقعة بين 7:45 وبين 8:00 وهي الفترة التي تشهد تغيير وردية المناوبين الليليين بوردية المناوبين الصباحيين. أي أنها فترة متميزة بنوع من الفوضى وانقطاع العمل.  

بعد هذه الموجة من القصف، أكمل الطيران الإسرائيلي طلعاته ليلاحق طائرات في مطارات أكثر بعداً عن المطارات الإسرائيلية.

 

تزامن مع القصف الجوي، تدفق القوات البرية الإسرائيلية إلى ساحل غزة وسيناء التي اشتبكت في ساحل غزة مع جيش التحرير الفلسطيني المتواجد هناك وواجهت مقاومة عنيفة.

أما في سيناء، أخذت القوات عدداً من المسارات وكان اهتمامها منصباً على تجاوزات القوات المصرية والالتفاف عليها والسير قدما نحو شرم الشيخ بمحاذاة ساحل خليج العقبة ونحو قناة السويس.

لاقت هذه القوات بعض المواجهات العنيفة من قبل القوات المصرية، إلا أن الجيش المصري، بصورة عامة، وجد نفسه مكشوفاً أمام الطيران الإسرائيلي دون أن تكون لديه الدفاعات الكافية. ولهذا سرعان ما انهار الجيش المصري وتمزقت أواصره وانهمك أفراده في البحث عن مفر.

كثيرون من الضباط المصريين هم الذين استقلوا السيارات العسكرية وتوجهوا غرباً هاربين وتركوا الجنود وراءهم يتدبرون أمورهم، فاستشهد في سيناء الآلاف وأسر منهم آلاف، وحاول بعضهم الوصول إلى قناة السويس.

 

حسمت المعركة مع مصر خلال الساعات الأولى من الهجوم الإسرائيلي وانتهت عملياً بعد حوالي ثمانين ساعة من القتال.

 

أما على الجبهة الأردنية فلم يختلف الوضع عما كان عليه في مصر.

 

دمرت أغلب الطائرات الأردنية على أرض المطار، وبقيت القوات الأردنية الموجودة غربي النهر بدون غطاء جوي. دار قتال بري محدود في منطقتي القدس وجنين، لكن الجيش الأردني كان ضعيفاً عدداً وعدة ولم يستطع الصمود، انهار الجيش ظهر اليوم الثاني للحرب واضطر أفراده للهرب شرقاً نحو خط الدفاع الثاني هو نهر الأردن.

 

لم تكن الجبهة السورية أحسن حالا، فقد هاجمت الطائرات الإسرائيلية الطائرات والمطارات السورية عند الظهر تقريباً ودمرتها. لكن القتال البري بقي محدوداً بسبب تشتت القوات الإسرائيلية على عدد من الجبهات. وما أن أنهت القوات الإسرائيلية مهامها الرئيسية على جبهة مصر وجبهة الأردن، ازداد الضغط الإسرائيلي على مرتفعات الجولان واستطاعت أن تتسلق المرتفعات وتحتلها في اليوم السادس للحرب. ومن الجدير ذكره أن سوريا أعلنت سقوط الجولان قبل أن تعلن ذلك إسرائيل.

ربما تكون حرب 1967 من أكثر الحروب الحديثة إثارة للسخرية والتساؤلات ذات الاستغراب والاستهجان. فالحرب دارت بين دولة صغيرة ذات عدد قليل من السكان وبين دول عربية زمجرت وأرعدت وملأت