| ||||
|
.
فبعد سنين طويلة من تفرّد المنظمة، وفصيلها القائد "حركة فتح"، في الساحة السياسية الفلسطينية، دون منافس يُذكر، ظهرت حركة سياسية لديها مشروعها الإسلامي الجهادي والبنائي لتهدّد تفرّد المنظمة بتمثيل الشارع الفلسطيني.
فصائل منظمة التحرير - بمعظمها - وقفت بداية من انطلاقة حماس وقفة المخوّن والخائف على تآكل تمثيله الشعبي، ثم حاولت احتواءها، وأحياناً ضربها أو شق صفوفها. ثم ما لبث بعض قادة منظمة التحرير أن اعترف بتمثيل حماس الشعبي وحضورها على الساحة الفلسطينية، حتى بلغ الأمر بالرجل الثاني في المنظمة صلاح خلف (أبو إياد) بالقول: "إن حماس قوة إسلامية موجودة داخل الأراضي المحتلة، وقاعدتها من أنظف القواعد المقاتلة". وهذا لا يعني أن الأصوات التي كانت تدعو لاستبعاد حماس قد غابت تماماً.
حركة حماس سعت إلى طمأنة المنظمة على أنها لا تسعى إلى ضرب تمثيلها أو الصدام معها، فورد في ميثاق الحركة "منظمة التحرير الفلسطينية من أقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية، ففيها الأب أو الأخ أو القريب أو الصديق، وهل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه. فوطننا واحد، ومصابنا واحد، ومصيرنا واحد، وعدونا مشترك". وعلى رغم المرجعية الفكرية لمنظمة التحرير والقائمة على العلمانية، والمناقضة لمرجعية حركة حماس الإسلامية إلا أن الحركة طرحت في وقت مبكر مسألة تطوير منظمة التحرير فذكر الميثاق "... ومع تقديرنا لمنظمة التحرير الفلسطينية –وما يمكن أن تتطور إليه- وعدم التقليل من دورها في الصراع العربي الإسرائيلي، لا يمكننا أن نستبدل إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية لتبني الفكرة العلمانية، فإسلامية فلسطين جزء من ديننا.....".
خيارات ثلاثة وبعد بروز حركة حماس كان أمامها ثلاثة خيارات بالنسبة لتمثيل منظمة التحرير الفلسطينية: إما الاعتراف بتمثيلها الأوحد للشعب الفلسطيني، وإما إسقاط هذا الاعتراف والسعي إلى إبراز نفسها كبديل لمنظمة التحرير. أما الخيار الثالث فهو الاعتراف بتمثيلها، وليس الأوحد، والسعي للاتفاق على إصلاح مؤسسات المنظمة ودخولها.
الخيار الأول، أي الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، يمكن أن تُجيّره قيادة المنظمة للتسويق للاتفاقيات التي وقعتها، أو لأية تنازلات يمكن أن تُقدم عليها، أو التعديلات التي أقرّها المجلس الوطني الفلسطيني في عام 1998، والتي حذفت الكفاح المسلح من ميثاق المنظمة. إضافة لما يمكن أن يُعتبر تغطية للفساد الذي ينخر جسم المنظمة ومؤسساتها. كما أن هذا الاعتراف سيحرج حركة حماس أمام أطر فلسطينية أخرى، كجبهة الإنقاذ التي طرحت نفسها، في وقت من الأوقات، كممثل للشعب الفلسطيني.
أما الخيار الثاني وهو عدم الاعتراف كلياً بالمنظمة وسعي حماس لتكون بديلاً عنها فدونه عقبات. أولاً، إن هذا الخيار كان ليضع حماس وجهاً لوجه مع المنظمة ويفجّر صراعات ربما تتجاوز إطارها الفكري. ثانياً، تعتقد حركة حماس أن منظمة التحرير الفلسطينية لديها بعض الإنجازات التي يمكن تطويرها، وتحظى باعتراف دولي وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22/11/1974، القرار 3236، الذي منح منظمة التحرير صفة مراقب وأصبح من حقها أن تشترك في مناقشة بنود جداول الأعمال وتبدي آراءها فيها، وتتمتع بالحقوق التي تتمتع بها الدول الأعضاء باستثناء حق التصويت والانتخاب وتقديم مشاريع القرارات. فلا يمكن لحماس أن تتحمّل نسف المنجزات، وإن كان بعض أبناء المنظمة قد تجرأوا على ذلك. كما أنه من الصعوبة بمكان أن تطرح حماس نفسها بديلاً للمنظمة في المحافل الدولية بعد الاعتراف الدولي بالأخيرة.
من هنا فإن الخيار المرجح كان بالنسبة لحماس هو السعي لتصحيح مسار منظمة التحرير الفلسطينية، والسعي لدخولها بعد الاتفاق بين فصائلها الرئيسية على إعادة بنائها وتفعيلها. وظهر هذا الاتجاه مبكراً في البيانات والوثائق الرسمية الصادرة عن حركة حماس. ففي مذكرة تعريفية صادرة عن الحركة في عام 1993 جاء فيها "حركة حماس ليست بديلاً لأحد، وترى أن م.ت.ف. إنجاز وطني ينبغي الحفاظ عليه، ولا مانع لديها من الدخول في إطار م.ت.ف. على أساس التزام م.ت.ف. بالعمل على تحرير فلسطين، وعدم الاعتراف بالعدو الصهيوني وإعطائه شرعية الوجود على أي جزء من فلسطين".
محاولات الانضمام! وحدثت عدة محاولات لإدخال حركة حماس إلى المجلس الوطني الفلسطيني، وبعض المؤسسات القائمة في منظمة التحرير، لكن الحركة كانت تخشى أن لا تُعطى النسبة التي تمثّلها في الشارع الفلسطيني، وتكون مجرّد (ديكور) لمزاعم التعددية داخل المنظمة، فلا تستطيع أن تغيّر في قرار واحد تتبناه القيادة أو الفصيل المهيمن داخل المنظمة. ولما دُعيت حماس إلى الانضمام للمجلس الوطني الفلسطيني في عام 1990 تلخّصت شروطها بضرورة وقف مسلسل التنازلات، وعدم الإقرار بالوجود الصهيوني على أي جزء من فلسطين، وتحقيق صدقية التمثيل لمختلف الفصائل بحسب أحجامها الحقيقية، وممارسة الديمقراطية الحقيقية، سواء في إبداء الرأي أم في تسلّم المسؤوليات القيادية. ورأت حماس في مناسبات عديدة أن تمثيلها الشعبي يتجاوز الأربعين بالمئة، من هنا وجب تمثيلها بالنسبة نفسها في مؤسسات منظمة التحرير.
على رغم من أن هناك تجربة لحركة فتح في دخول منظمة التحرير الفلسطينية من ثم قيادتها، فإن موقع وظروف حركة حماس تختلف كلياً، من حيث الحصار الذي تعانيه ومنعها من مضاعفة شرعيتها عبر التقدّم داخل المنظمة. كما أن منظمة التحرير نفسها قد تغيّرت، ولم تعد الأطر الدستورية المؤهلة لحركة تغييرية هي نفسها. فالمجلس الوطني على سبيل المثال عدد أعضائه غير معروف بتاتاً ويتراوح بين 400 و850 عضواً. وهو فقد منذ زمن دوره التشريعي والرقابي ولم يجتمع بين عامي 1993 و2007 سوى مرة واحدة لتعديل الميثاق.
عند قيام السلطة الفلسطينية في عام 1994 على جزء من غزة والضفة الغربية في قطاع غزة ضعف إلى حدّ كبير دور المنظمة، فحُوّل جيش التحرير إلى قوات أمن وطني للسلطة، والدائرة السياسية إلى وزارة خارجية السلطة، وكذا معظم مؤسسات منظمة التحرير أصبحت جزءاً من السلطة. وخشي كثيرون أن يكون ذلك بداية تصفية منظمة التحرير تمهيداً لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين. ومن هنا كان سعي حماس الدائم لإعادة بناء المنظمة وفق أسس تحفظ استمراريتها. وهو ما توّج باللقاء الذي جمع قادة حماس مع قيادة المنظمة في القاهرة، واتُفق على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية. وكان ذلك في آذار/مارس 2005.
الاتفاق تعرّض لضربة قوية، بتراجع قيادة المنظمة عن التزام مضمونه بعدما استطاعت حركة حماس عبر الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 25/1/2006 تحقيق نجاح منقطع النظير، إذ انتقلت هذه الحركة مرة واحدة من المعارضة إلى السلطة ومن مكانة التنظيم الثاني إلى مكانة التنظيم الأول، وحصلت الحركة على 74 مقعداً أي 56% من مقاعد المجلس التشريعي الـ132 مقعداً، في حين حصلت حركة فتح على 45 مقعداً، أي 34%. هذه النتيجة أخافت القيادة المتنفّذة في منظمة التحرير الفلسطينية، وجعلتها تخشى من فقدان ما تعتبره حصنها الأخير، ما أدّى إلى تشبّثها المنظمة، والتراجع عن استعدادها لإدخال إصلاحات جدية في بنية ومسار المنظمة.
الاتفاقيات الدولية قد يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: في حال سيطرة حماس على منظمة التحرير الفلسطينية كيف ستتعاطى مع الاتفاقيات الدولية التي وقعتها المنظمة؟ وهل بالأصل عدم اعتراف حماس بهذه الاتفاقيات، ومنها اتفاق أوسلو، يسمح لها بدخول منظمة لا تعترف الحركة بالتزاماتها الدولية؟ نبدأ من السؤال الثاني، فمنظمة التحرير الفلسطينية هي الكيان المعنوي للفلسطينيين في داخل فلسطين وخارجها، وكل فلسطيني هو عضو تلقائي بالمنظمة، كما تنص المادة الرابعة من ميثاقها "الفلسطينيون جميعاً أعضاء طبيعيون في منظمة التحرير الفلسطينية يؤدون واجبهم في تحرير وطنهم قدر طاقتهم وكفاءاتهم، والشعب الفلسطيني هو القاعدة الكبرى لهذه المنظمة". معنى ذلك أن المنظمة، من الناحية النظرية، لا تحدّد الخيارات السياسية للمنتمين إليها، ويحق لحركة حماس، كغيرها من الأعضاء والفصائل، أن تكون جزءاً من هذه المنظمة دون الحاجة إلى تغيير جوهري في سياسات الحركة. ولكن في الوقت نفسه فإن الدخول إلى منظمة التحرير شيء والسيطرة عليها شيء آخر. فالمنظمة تختلف عن السلطة، فالأولى المرجعية السياسية للمفاوضات منذ مؤتمر مدريد. بينما الثانية هي أداة لتنفيذ الاتفاقيات على الأرض، وإن كانت قد تغوّلت على الأولى في مرحلة من المراحل.
من هنا فإن بعض المراقبين يعتبر أن دخول حماس إلى المنظمة، يتطلّب حكمة عالية، بحيث تتحكّم الحركة بقرارات المنظمة، دون أن تنفرد بهذه القرارات، حتى لا تضطر إلى اتخاذ قرارات إما تُحرج نفسها أمام العالم أو أمام شعبها، وقد يبدو حصول حماس على نسبة الأربعين بالمئة من منظمة التحرير، هو الذي يسمح أكثر من غيره باتخاذ قرارات مبدئية ومرنة في الوقت نفسه. فلا تُلغى الاتفاقيات السابقة التي نالت المنظمة الكثير من الاعترافات على أساسها، ولكن تحدّ حماس من خطورتها، وتتفرّغ لقضايا الفساد داخل المنظمة وإصلاحها، ما يسمح بتطوير المسار الفلسطيني، واستعادة الجسم الفلسطيني جناحه في الخارج والمهمل رسمياً منذ اتفاق أوسلو، وجناحه في الداخل الذي سلّمته المنظمة إلى فساد السلطة.
|
السبت, 12 ابريل, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية



















